مدونة تحتوي على بعض من المقالات المنشورة في الصحف الورقية والالكترونيةالعربية

الأحد، أغسطس 02، 2009

جان مولان: اساطير من رحيق المذكرات

دانيال كوردييه...كلاكيت رابع مرة

جان مولان: اساطير من رحيق المذكرات

اعداد وتقديم : فادي عاكوم

تعتبر الكتابات التي تتناول قصص المقاومة الشعبية وسير المقاومين من الاكثر انتشارا بين قريناتها اذ تلامس الشعور والحس الوطني الكامن لدى المتلقي، واكثر هذه الكتابات نجاحا تلك كتبها مقاومون بسبب دقة التفاصيل والوصف والتجرد والصدق في نقل الاحداث المترافقة مع الشعور والاحساس الصادق، اما ان يكتب مقاوم عن مقاوم اخر فتعتبر قمة كتابية اذ تبتعد نوعا ما عن المغالات الشخصية وتاليه الذات وتاتي من خلال مشاهدات حية صادقة وعاطفية وناقدة في آن واحد.

حين يتم الكلام عن الكتابات التي تناولت الثورة الفرنسية التي قامت ضد الاحتلال النازي فاننا نلاحظ كثافة نوعية وشبه تمجيد وتاليه لابطال هذه الثورة ممزوجة ليس فقط بالحس الوطني الفرنسي بل تتعدى الحدود الجغرافية لتشمل القارة الاوروبية اجمع حتى انها تتعداها لما وراء البحار، بسبب الحملة العالمية انذاك ضد التوسع النازي وتهديده العالم اجمع.

دانيال كوردييه مقاوم فرنسي، انتسب لحركة المقاومة الفرنسية في العقد الثاني شائت له الظروف بعد سنتين من العشرين ان يكون سكرتيرا خاصا لكبير الثوار الفرنسيين – بل لعراب الثورة الفرنسية – جان مولان لفترة سنة تقريبا انبرى خلالها لكتابة مذكراته ولم يخطر بباله حينها ان هذه المذكرات ستكون منطلقا لتأريخ حقبة من اهم حقبات التاريخ الفرنسي الحديث بل لتاريخ اوروبا اذا ما اخذنا بالاعتبار الفترة الطويلة نسبيا التي قضاها مع راعية الثورة والثوار الفرنسيين لندن.

وهنا لا بد من الاشارة الى نوعا من الشوفانية والانا المتملكة في نفس هذا المقاوم الذي قارب الان العقد التاسع، فعلى رغم تناول الكتاب منارة المقاومين الا انه عنون كتابه باسمه الحركي" "آلياس كاركلا: مذكرات 1940 ـ 1943"

وليس خفيا على احد انك حين تتكلم وتكتب عن مقاوم بوزن جان مولان فانك ستسقطب الطبقات المجتمعية بكافة اشكالها، فمولان هو البطل الأول أو البطل المطلق لجميع حركات المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية. انه "ريكس الكبير" وهو اللقب الذي لازمه طوال حياته النضالية إلى جانب ألقاب كثيرة، وتلك النضالات التي توصل مولان من خلالها إلى أن يوحّد في حدود السنة ونصف السنة كل الحركات المتشعبة في البلاد لتصب جميعها تحت لواء موحد وهو "المقاومة الفرنسية" انتهت ذات يوم مع توقيفه في منطقة كالوير في 21 حزيران من العام 1943، ومات اثر التعذيب الهائل الذي تعرض له وكان يبلغ يومذاك 44 عاماً.

أما الكتاب الحدث اليوم في باريس فهو "آلياس كاركلا: مذكرات 1940 ـ 1943": للمؤلف دانيال كوردييه، صدر عن "منشورات غاليمار" ويحمل في طياته صفحات جديدة وغير معروفة من حياة الشاب المناضل، وصحيح ان كوردييه أصدر حتى اليوم ثلاثة كتب عن مولان عن "دار لايتس" وكان ذلك بين عامي 1989 و1993، حاول فيها تأريخ كل المرحلة، غير انه في مذكراته الجديدة يكشف النقاب عن وثائق غير معروفة وغير منشورة عن حياة وأعمال جان مولان خلال المقاومة.

والسؤال هنا من هو آلياس كاركلا؟ إنه أيضاً وبكل بساطة لقب دانيال كوردييه الذي انخرط في صفوف المقاومة وهو في العشرين، ثم انتقل إلى لندن عام 1940 ليعود بعد عامين إلى فرنسا فتجمعه الصدفة مع مولان ليختاره هذا الاخير سكرتيراً له. وكوردييه يروي في مذكراته كيف ان تعامله مع هذا المناضل غيّره تلقائياً وجعل شخصيته تتطور وتتبلور. اليوم يبلغ كوردييه 88 عاماً وهو بعد أن كرّس الآلاف من الصفحات لكتابة التاريخ الخاص بتلك المرحلة التي عايشها، ينتقل اليوم إلى المذكرات ليدوّن ما لا يستطيع التاريخ أن يقوله: والمذكرات الحميمة دقيقة ومؤثرة ولا تثير مشاعر الملل عند القارئ على الاطلاق.

فهو يسرد وحسب وصف الكاتبة كوليت مرشليان بلغة جميلة وبأسلوب تشويقي يوميات "شاب بورجوازي، متأثر بموراس، تحرّضه مسائل وأفكار كثيرة منها معاداته للسامية وإيمانه بخدمة فرنسا حرّة..." إنها مواصفات كوردييه العشرين الذي أرسل لخدمة جورج بيدو فجمعته الصدفة بمولان: كنت أجهل أن هذا اللقاء سيغير كل مجرى حياتي..".

صورة جان مولان أو الرمز الذي أطلقه عبر مقاومة شرّعه الجنرال دوغول حين أمر بنقل رفاته إلى "البانتيون" عام 1964، أي انه وضعه إلى جانب أبطال بلاده، وكانت يومها كلمة تأبينية هائلة للأديب اندريه مالرو.

ومنذ ذلك الحين، وتمر من وقت إلى آخر بعض التفاصيل الجديدة عن حياة جان مولان وكان أبرزها بعض الكتب وفيلم وثائقي وآخر تلفزيوني إلى جانب تكريمه عبر إطلاق اسمه على شوارع عديدة في فرنسا (اسمه وألقابه) كذلك على بعض المدارس والجامعات.

قد يكون البطل الاسطوري جان مولان اسطورة فرنسية محلية لم تخرج أو تتشعب كثيراً خارج البلاد على غرار أبطال الثورات والنضالات في العالم، غير ان الصورة التي يرسمها كوردييه تعطيه حقه وتضيء على مساره الذي تميز بتضحيات هائلة.

ويسرد كوردييه الفصل الأخير من حياة مولان بجمالية كبيرة: كيفية توقيفه في كاليوار، في ضاحية مدينة ليون خلال اجتماع سرّي كان من المفترض أن يتم خلاله تعيين بديل عن الجنرال دليتران المسؤول في الجيش السري الذي كان قد تم توقيفه. فكان ان علم قائد الغستابو كلاوس باربي في المنطقة ان ثمة مسؤولاً يمثل الجنرال دوغول في الاجتماع من دون أن يعلم تفاصيل هويته. ولكن حين تم توقيفه واكتشف انه جان مولان تعرض هذا الاخير للتعذيب بشكل فظيع لمدة أيام طويلة على أمل أن يعترف بأسرار المقاومة، لكنه ظل صامتاً حتى الرمق الأخير، ومات على الأرجح في بدايات تموز 1943 خلال عملية نقله إلى المانيا. ويوم اعلان تحرر فرنسا، كتب القائد جورج بيدو عنه: "مولان، لقد زرعت الحبة ولكن، للأسف، لم تكن هنا يوم الحصاد".

كل هذه التفاصيل من حياة "ريكس الكبير" والتي ذكرها كوردييه من قبل في كتبه السابقة عنه، لا يعود إليها هنا من وجهة نظر تاريخية بل يحاول أن يصف كل ما كان من حولها، ما قبلها، أو ما بعدها، وتأثير كل حدث على مولان في اللحظة. فالقارئ مدعو هنا "للعيش" قليلاً إلى جانب بطله "ريكس الكبير" ليتأمل لحظات قوته وضعفه، حزنه وفرحه، نضاله وحماسته.. كل ما يمكن أن ينقله دانيال كوردييه من تلك الأيام التي عاشها إلى جانب مولان، يكتبه بإحساس كبير وفائض بالاعجاب بذاك البطل القومي والوطني الذي كرّمه كبار بكلمات لا تُنسى وكان أجملها كلمة الأديب اندريه مالرو، يوم نقل رفات "ريكس" الشهيد إلى "البانتيون" حين توجّه إلى شباب بلاده قائلاً: "أيها الشباب، هل تفكرون بهذا الرجل حين وضعتم أيديكم من حول وجهه المشوّه من اليوم الأخير، ومن حول شفتيه التي لم تنطق بكلمة. في ذاك اليوم، كان وجهه وجه فرنسا".

مقتطفات من كتاب مذكرات كوردييه

(...) هذه هي يومياتي كاملة خلال ثلاث سنوات من حياتي المميزة التي بدأت بالنسبة لي في 17 حزيران 1940 حين رفضت خطاب بيتان وأبحرت إلى بايون على متن ليوبولد11. كنت آنذاك أبلغ تسعة عشر عاماً، بعد سنتين من الإعداد في انكلترا في صفوف القوات الفرنسية الحرة التابعة للجنرال ديغول، أنزلت بالمظلة العسكرية في مونلوسون في 25 تموز 1942. كان مصيري مرسوماً بأن أكون بمثابة الراديو الخاص لجورج بيدو، إلا أن جان مولان اختارني لأصير سكرتيره الخاص. عملت معه حتى تاريخ توقيفه وكان ذلك في 21 حزيران 1943. هذه السنوات أسردها تماماً كما عشتها، في جهلي التام بمصيري في اليوم القادم وفي وحدة وعزلة المنفى. لذا اخترت شكل "المذكرات" التي تجبرنا على تمرير الوقت وعلى تمضيته في البحث في الذكريات. فالمحادثات التي أنقلها تبدو بعفويتها وكأنها حوارات حية. كيف نفكر بعد مرور السنوات؟ فلقد انتقدت بشدة كل مذكرات الآخرين لأجد نفسي أخيراً مخدوعاً بما عملت على تأكيده: حيث تنتهي الوثائق، تبدأ صور الماضي المسكون بمفاصل غير أكيدة. ولكن إذا كانت هذه هي طبيعة الشهادات بأن تكون محدودة، فلا شيء يشبه هذا الاسترجاع للماضي الذي يولد لدينا من جديد كل مشاعر الشغف التي غابت. خصصت الكثير من وقتي ومن عنايتي لأرصد الحقيقة، لأنها وحدها الحقيقة تعطي القيمة والمعنى لمشروع مماثل، وكل ذلك لاتذكر مسار ذاك الشاب الفتي المتطرف في سياسته اليمينية الذي كنته، والذي، تحت وطأة الظروف، وجد نفسه يتحول إلى صفوف اليسار. أحياناً تكون الحقيقة مؤلمة وهائلة(..)

جان مولان، المعلم

الخميس 30 تموز 1942

كان الوقت ليلاً حين غادرنا المطعم. "الرون" في نهاية الشارع. سلكنا طريق السكك الحديد باتجاه محطة "بيراش". وعند مستوى ساحة بيلكور، اتجهنا ناحية شارع معتم في موازاة السكة. عندها توقف أمام مدخل أحد المباني، غير بعيد عنّا: "أنظروا جيداً إلى اسم الشارع ورقم المبنى. أسكن في الطابق الأول، عند السيدة مارتن، تعالوا إلى هنا في الغد، عند الساعة السابعة، وستبقى معي: ستكون سكرتيري الخاص. عمْتَ مساء".

بعد حملة فيل ديف..

الثلاثاء، الأول من أيلول 1942:

هذا المساء، رايكس صامت ويفكر. أعرف بأنه يفكر في اليهود. وبعد وقت قصير وكأنه يقصده بكلامه الجلادين، صرخ قائلاً: "يا لهم من جبناء!" وكانت المرة الاولى التي أسمعه فيها يتلفظ بكلمة نابية. وحين لم أعرف بما أردّ عليه، تابع قائلاً: ستعثر على الرسائل الرعوية في البريد القادم، يجب أن نفعل أي شيء لننشر الحقائق حول هذه الجرائم. علينا أن نعثر على الصيغة الأساسية لنعرف كيف نوقظ الرأي العام وننقذ هؤلاء التعساء من مصيرهم. للأسف، ماذا يمكننا ان نفعل؟ في مناسبة كهذه تظهر معالم الضعف في صفوف المقاومة لدينا".

بيكاسو ودورامار

الاثنين 10 أيار 1943:

بعد أن جلسنا على طاولة قريبة من باب المدخل وبعد ان طلبنا العشاء، دخل رجل عجوز ـ وهمس لي كان باسمه في اذني: بيكاسو. فتحت عيني بقوة وبدهشة امام هذا الرجل الذي لا يوحي مظهره بشيء والذي عرفت اسمه بفضل ريكس.

كان قصير القامة، ذكي وحذق في نظرته. وكان يرتدي مثل أي بورجوازي لا يتقن تماماً فن الأزياء، وكان قد أوثق رباط كلبه بجاكيته، والكلب وهو من نوع السلاقي ووبره طويل، وكان يمشي خلفه. وكانت ترافقه امرأة، أعلمني بعدها كان انها صديقته دورا مار. كانت هذه المرأة تمتلك نظرة ثابتة وملامح جامدة وكأنها ملامح امرأة تتعرض للمعاكسة أو المحاربة. وشفتاها الباهتتان والزهريتان تؤكدان غرابة وجهها أكثر فأكثر.

جلسا في عمق الصالة حيث كان بعض الاصدقاء ينتظرانهما. وقد عرف منهم كان جان كوكتو وميشال ليريسي: "انه يحدد كل مواعيده هنا لأنه يملك محترفاً كبيراً هنا في آخر الشارع، قرب سكك الحديد".

بعد كالوير

... شعرت بالفضولية لأعرف مَن أمامي، فسألت صديقي:

"من هي هذه المرأة؟

ـ إنها شقيقة جان.

ولكن من هو جان؟".

ولدى استغرابه الكبير من سؤالي، توقف مونييه ونظر إلي قائلاً: "ألا تعرف، انه معلمك، جان مولان". عندها، اكتشفت بأسلوب لم أنتظره أبداً، اسم الرجل الذي اعتقدت انه مشهور. كنت قد تخيلته في أعلى المناصب السياسية، أو الديبلوماسية أو الرسم مثلاً. أما جواب مونييه فقد حدد وضعه: كان رجلاً مجهولاً. وكانت خيبتي على مستوى أملي، هائلة.

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية

Powered By Blogger

المتابعون