فادي عاكوم : قلة من الشباب العرب يعرف الفنان الكبير "شوشو" او غيره من الفنانين الذين قدموا الروائع للفن العربي عموما واللبناني خصوصا في فترة السبعينات من القرن الماضي، وقلة من اطفال لبنان يعلمون او يتم تعريفهم بان اغلب اغاني الاطفال المحببة الى قلوبهم والتي يرددونها بشكل شبه يومي هي لهذا الفنان او ذاك، فمن المسؤول؟، اهي الحرب الاهلية التي دمرت لبنان، او ركاكة الوزارات المختصة التي توالت منذ عقود في لبنان وانحرفت عن مسارها الاصلي لتغوص في عمق اللعبة السياسية، فبات وزارات الاعلام والثقافة والسياحة مجرد حقائب لتمثيل الاحزاب السياسية المتقاتلة على قطعة "التورتة"...
حس علاء الدين المعروف فنيا بـ"شوشو" الذي نستذكر اليوم الذكرى الـ 34 لغيابه، ليس وحده الحاضر الغائب، فاين اعمال ماجد أفيوني و ابراهيم مرعشلي و أماليا أبي صالح و آماليا العريس و شفيق حسن و مرسيل مارينا وفهمان وصلاح تيزاني"ابو سليم" وفرقته وغيرهم الكثيرون الذين غابت ذكراهم، علما انهم فتحوا الابواب العريضة للعمل المسرحي والتلفزيوني العربي واللبناني، وذلك من خلال تجاربهم الاولى التي كانت اشبه بمغامرة في وقتهم، وبالفعل يمكن اعتبارهم رواد التجريب في المسرح والتلفزيون.
فالامكانيات المادية المتواضعة لم تمنعهم من مواصلة مغامرتهم الفنية النابعة من الايمان بالفن للفن فقط، والمؤسف ان غالبيتهم ماتوا قبل اوانهم اب في اوقات مبكرة وهم يعانون الامرين من الفقر، حتى وصل الامر بشفيق حسن المعروف بالدروندي ان يبيع السجائر على قارعة الطريق على احدى مداخل بيروت...
ان محاولة فهم مسرح شوشو واعماله الكثيرة التي قدمها في فترة قصيرة قد تبدو صعبة وشبه مستحيلة، اذ نجدها خليط من الفوضوية المنظمة والعفوية والكلاسيكية الخارجة بطابع شعبي، وسيطرة الايديولوجية نوعا ما على اعماله لارتباطه بالهموم المعيشية اليومية والتي كان لها الاثر الشخصي عليه من خلال الحياة البسيطة والفقيرة التي عاشها.
شوشو المولود عام 1939 من بلدة جون الشوف في اقليم الخروب وهي من قرى الشوف الساحلي، والتي انجبت العديدين من رواد الفن ومنهم المرحوم نصري شمس الدين الذي شارك المطربة فيروز بغالبية اعمال الرحابنة، بالاضافة الى فرقة جون للرقص الشعبي التي كان لها صيتها الرائع خلال مهرجانات لبنان السبعينية.
رحل شوشو في تشرين الثاني من عام 1975 مع بداية الحرب الاهلية اللبنانية، بعد ان ترك اثرا يستذكره البعض من خلال لهجته التهكمية وشكله المضحك بشاربيه الطويلين وثيابه الغير متناسقة والطربوش او القبعة، بعد ان خلق واسس مفهوما جديدا للمسرح، فقد بدا بالمسرح اليومي الساخر المنتقد والخارج عن المالوف بطريقة فاقت توقعات من كان يراقبه ويتابع اعماله انذاك، فالجو الساخر الذي كان يضحك رفاقه في المدرسة ورفاق والده في مقهى بساحة رياض الصلح تحول الى ظاهرة ومدرسة بحد ذاتها، وكانت اولى التجارب الفعلية على خشبة مسرح فاروق واتخذ قرار الاحتراف عام 1953 باول عمل خاص على خشبة الخلية السعودية ببيروت من خلال مسرحية "عنتر بالجندية"، حتى بدا بتقديم العروض تحت راية المسرح الوطني، وقدم "شوشو بك في صوفر" عام 1965، وانفصل عن شريكه المخرج نزار ميقاتي فتعامل بعدها مع مجموعة كبيرة من المخرجين وقدم العديد من الاعمال منها : "فرقت نمرة"، "واو سين"، و"وراء البرافان"، و"طربوش بالقاووش".
وكان للصغار حصة كبيرة من اعمال شوشو فقدم لهم الكثير من الاعمال المسرحية المترافقة مع اغان لا تزال رائجة الى اليوم منها نانا الحلوة نانا والف باء بوباية، وكان يظهر امامهم وكانه منهم اذ لبس ثيابهم وتكلم بطريقتهم فدخل قلوبهم بلا استاذان.
تلفزيونيا كان تعاونه مع والد زوجته الفنان محمد شامل مثمرا جدا وحلّ محلّ الراحل عبد الرحمن مرعي رفيق محمد شامل وقدم برامج تلفزيونية وإذاعية منها برنامج "شارع العز" و"يا مدير" و"الدنيا هيك"، لكن لم يكمل من مشروع "الدنيا هيك" لأنه كان يريد نصاً يقدم نجم المسلسل الرئيس، في حين محمد شامل كتب نصاً جماعياً.
كذلك لمع شوشو في اقتباسات نصوص موليير في "البخيل" و"مريض الوهم" وفي الاختبارات العديدة لأعمال لابيش، وفي مسرحية توباز لمارسال بانيول، وكانت العمل الرائع الذي قدمه حين تعاون مع المخرج روجيه عساف وقدم مسرحية "آخ يا بلدنا" عن أوبرا القروش الأربعة لبرشت المأخوذة بدورها عن أوبرا الشحاذين لجون غابي، و"خيمة كراكوز" من تأليف فارس يواكيم، تعاون شوشو مع برج فازليان في الاخراج، ولفازليان اهتمامات في المسرح الجدي، فكانت مسرحية "اللعب على الحبلين"، ثم كوميديا ديللارتي، ومسرحية "كافيار وعدس" لوجيه رضوان، في التقدم نحو المسرح الاجتماعي السياسي.
شوشو باحرف محمد شامل
في نص غير منشور للفنان الراحل محمد شامل كشف عنه الكاتب المسرحي اسامة عارف يقول : "شوشو اسم مازال يحيا في قلوب الناس، سمعت الأستاذ عبد المنعم مدبولي يقول عنه ـ عبر الأثير ـ إن شوشو فنان انسان... وقلما طافت مجامر البخور حول مخلوق حمل لقب انسان... لذا كان بالنسبة الي أكثر من قريب وصديق، زوجته ابنتي فكان صهري وأغدقت عليه من فني فإذا به يتخطى ـ عتبتي ـ ويخرج الى عالم المسرح ليظهر ما انطوت عليه نفسه من معاني التفوق والابداع.
كيف عرفته؟
لهذه المعرفة قَصة طريفة، عدت ذات يوم من مدرستي وأنا ألهث من تعبي، وما كاد يسخن تحتي الكرسي حتى بادرتني السيدة ـ أم يوسف ـ بظرف حول عدة تذاكر لحفلة فنية ستقام في تاريخ كذا في ليلة كذا في ـ محلة ـ كركون الدروز، وذكرت في تلك اللحظة الصديق الذي فقدته ـ عبد الرحمن مرعي ـ فدمعت عيني وقلت للسيدة حرمي، أهدي هذه التذاكر لمن يريد أن يروح عن نفسه ودعيني لشأني... ونظرت الي فعرفت ما بي فمدت يدها وأخذت ـ ظرف التذاكر من يدي ـ فقلت في نفسي سيكون مآلها. التمزيق... ومرت أيام وعدت كعهدي من عمل مرهق، فاستقبلتني السيدة بثغر باسم وأخذت ـ تسايرني ـ بعدما تكرمت عليّ ـ بفنجان قهوة ـ حتى جرنا الحديث الى ذكر التذاكر التي ظننت أنها توزعت ولا أدري لها مصيراً أو مكاناً رقدت فيه لتنسى، قالت السيدة، اليوم تاريخ الحفلة ـ إياها ـ وأرجو أن ترافقني إليها وأني لشاعرة بأن شيئاً ما سيكون ولا أدري ما هو؟ وأردت أن أعترض وأعتذر ولكن إذا شاءت حواء فلا مشيئة لآدم... وكان عليه الطاعة...
ركبنا ـ سيارة ـ أجرة، حتى وصلنا الى المكان الذي ستقام فيه الحفلة، وكان من حسن حظنا أن جماعة هناك أحسنوا استقبالنا وقدموا لنا كرسيين لي وللسيدة، أما بقية المدعوين فقد جلسوا على مقاعد خشبية، عليها ـ أثر ـ الباطون، لأن الذي تعهد عملها وعمل المسرح كان ـ "باطنجي".
وبعد أن قدمت إلينا المرطبات وعبارات التشريفات تصاعد صدى عدة مطارق إيذاناًببدء العمل، وأخذت الوجوه تتبدل فوق ـ ما سموه مسرحاً ـ وجوه تظهر ووجوه تختفي، والناس من حولنا يضحكون، وزاد الضحك وعلا التصفيق حين أطل علينا ظل انسان كان يرتجف من قمة رأسه الى أخمص قدميه وقد غرق في ألبسة رثة بالية، تبعث على الحزن والأسى أكثر مما تبعث على الضحك والاعجاب، وسألت عن الذي أقام ـ الأرض وما أقعدها ـ فقيل لنا انه حسن علاء الدين...
