لا شك بان عصيبته الظاهرة قبل العرض وحرصه على الانضباط والتوقيت والتنظيم كانت بسبب حرصه على التفاصيل، التي اتضح انها اللاعب الاساس في العملية المسرحية، فانتصار بعمله هذا تخطى لغة الحوار المسرحي المعروفة ليستنبط لغة قوامها الضوء والصوت والجسد والمكان، وما الكلام الا وسيلة مساعدة ومن الممكن القول انه اذا حذف الكلام فلن يتاثر العمل بشيء.
جمع انتصار تحت قبة الغوري مداحين ومرنمين من الاديان السماوية التي فرقتها العولمة او العصر الحديث، فأتى صوت المؤذن مع مرنم الكنيسة ليمزج العربية مع اللاتينية والله اكبر مع اسم الاب والابن، لتعود ذاكرة الحاضرين الى الايام الجميلة عندما كانت اجراس الكنائس تتعانق مع اصوات التكبيرات في الافراح والاتراح، في الزمن الذي كنا نسأل فيه الأهل عن انتمائنا الديني فنواجه بالنهر والجواب واحد: لا فرق بين الاديان كلنا اولاد الله.
60 مشاهدا للعرض فقط يقابلهم 60 عاملا في العرض يتوزعون بين الممثلين والموسيقيين والمغنين والتقنيين، ولا ننسى طبعا قارع الطبل الهادر المخرج انتصار।
يتمحور العرض حول كاهن ضائع داخل نفسه، فيتقدم من الآلهة ليحصل على الاجوبة التي ستشفيه من الحيرة فهو قارئ زاهد مطلع على امور الدنيا والدين، لم يمارس الرذيلة والظلم طوال عمره، يفتش عن الخلاص الذي ظن انه داخل النهر المقدس المحروس من التمساح الشرير، ونرى خلال السرد التراجيدي مشاهد الطقوس الدينية تمارسها كبيرة الكهنة، فتارة يتم تعميد الكاهن الحائر، وتارة تناوله الماء للوضوء، ويقابله ممثل يبتهل ويصلي، وأخرى ترسم إشارة الصليب على صدرها، والابرز كان تناول جميع الممثلين كسرات الخبز المقدس بطريقة مشابهة تماما لتناول جسد المسيح خلال طقوس القداس، ولا يصبح الكاهن كاهنا الا عندما يحرر قلبه من كل الشوائب التي تعتريه.
ولا بد من القول إن الجو العام كان صوفيًّا بامتياز من خلال تمازج الصلوات والخشوع، وتوج بتأدية الرقصات الصوفية المترافقة بالابتهالات الدينية الاخرى لتضفي سكونا وسكينة على المكان والحاضرين، حتى يخيل للمتابع والمتلقي ان الانفاس حبست او قُطعت، او حتى شاركت بطقوس العبادة التي فرضت عليهم.
لم يستثنِ النص اي كتاب ديني الا واقتبس منه، ليمزج حضارات وإشارات تجعلها ملائمة للفكر العصري، او بمعنى اصح ليتقبلها الانسان العصري، فقد بدا منذ آلاف السنوات عبر التوراة والانجيل والقرآن ليخرجها بباقة موحدة منمقة متوجة بتفاصيل وعبر من كتاب النبي لجبران، وما يحمله من معان إنسانية وجودية تحمل العديد من الأجوبة لأسئلة عصرية، تحاكي الواقع المادي، الخارجة عن الإطار الإنساني للإنسان كانسان।
في نهاية العرض ظهر انتصار مجددا، لكن بشكل مختلف هذه المرة، فقد ظهر منتصرا وانفرجت أساريره، وعلت الضحكة وجهه وحرص على تهنئة المشاركين بالعمل فردا فردا، بالإضافة إلى الجمهور الذي صفق له طويلا।
مع ملاحظة أن وجود العديد ممن لا يجيدون اللغة العربية بين الجمهور يفرض ثلاثة أمور إما منفصلة او مجتمعة، الأمر الأول توزيع ملخص بلغات متنوعة كالألمانية والانجليزية والفرنسية للحوار الذي سرد باللغة العربية، حتى يعرف الجميع فحوى الكلام الدائر، أو الأمر الثاني ان تتم تلاوة النصوص باللغات المختلفة ضمن عروض منفصلة يتم الإعلان عن مواعيدها مسبقا، والامر الثالث هو ان يحذف الكلام نهائيا والاكتفاء بالإيحاءات الجسدية التي اتت معبرة جدا عن فحوى القصة।
نجح انتصار عبد الفتاح في طقوس عبادته، لتأتي ملائمة ومشرفة لمهرجان المسرح التجريبي الذي تحتضنه القاهرة للعام 21 على التوالي، ليعطي الصورة الرائعة للفكر العربي الصحيح البعيد عن الخزعبلات الآنية التي شوهت وجهه، وأعادتنا ألوف السنوات إلى الوراء، فسبقنا الجميع بعد ان كنا السباقين.
