فادي عاكوم: على رغم التاريخ العريق للشعب العراقي مع الغناء والشعر والفن العريق والحافل بالاسماء العظيمة التي لا تغيب عندما نتكلم عن تاربخ الفن، وعلى رغم النجوم الذين ظهروا في عصرنا الحالي، الا انه يبدو وكان لعنة ما تسيطر على الحفلات الفنية التي غابت منذ عشرات السنوات عن الشعب المتعطش للفرح والامان.
مع استعراض برنامج الحفلات الفنية للفنانين العرب خلال المرحلة المقبلة لم ترد بغداد باي جدول من جداول الحفلات، وهذا ليس بجديد فكل عام تتكرر القضية نفسها، وحين نطالع بين الفينة والاخرى خبرا عن مهرجان غنائي او مجرد حفلة يتيمة لاي فنان تكون خارج بغداد، اي في المناطق البعيدة نسبيا عن المناطق الخضراء والحمراء والملونة بالوان الخطر.
وفي حالة استثنائية اعلنت شمس الاغنية اللبنانية الفنانة نجوى كرم عن احيائها لحفلين غنائيين في مدينتي اربيل والسلمانية في الثالث والرابع من شهر كانون الاول القادم، علما انها ليست المرة الاولى التي تغرد نجوى في العراق بل سبق واحيت حفلتين منذ عقد من الزمن وكان ذلك عام 1998 الاولى كانت في ملعب الشعب الدولي والثانية في نادي الفروسية الرياضي.
وبالعودة الى اللعنة الفنية التي ترافق الحفلات في العراق، امامنا فترتين من التاريخ العراقي، الاولى وهي فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين والثانية فترة حكم القوات الاميركية وحلفائها، وخلال كلا المرحلتين بقي الحال كما هو بالنسبة الى الحفلات وان اختلفت الظروف المحيطة خصوصا الاوضاع السياسية والفنية.
ففي عهد صدام ساتناول محطتين بارزتين، الاولى ما قامت به المطربة اللبنانية فيروز عندما دعيت لاحياء حفل في العراق اذ أوقفت حفلتها في قلب بغداد، مطالبة بنزع صورة صدام المعلقة في القاعة التي تغني فيها، وللواقعة اثرها الكبير في نفوس العراقيين ولا تزال اصدا الموقف تتردد الى اليوم، حتى ان الكاتبة العراقية الكبيرة وصفت تفاصيل القصة في احد فصول كتاباتها وركزت على اصرار فيروز الغناء للشعب العراقي والعراق وليس للنظام الحاكم، وهذا الموقف كررته فيروز بتوجهها الى دمشق لاحياء حفلة على رغم الاوضاع السائدة بين البلدين، واصرت على غنائها للشعب السوري في وقت تمت مهاجمتها بعنف من قبل احدى الفرق السياسية المعارضة والمناوئة لسوريا، وكان موقفه نفسه كالموقف البغدادي: اغني للشعب والوطن وليس للحكام...
الواقعة الثانية كانت مع الفنانة نوال الزغبي التي احيت حفلات في بغداد وواجهت انتقادات لاذعة لقيامها بها، مما دفع الكثير من الفنانين الى العزوف عن الذهاب الى بغداد خشية ان يخسروا رصيدهم العربي او الخليجي تحديدا خصوصا وان منطقة الخليج تدر عليهم الاموال الطائلة، فان غضبت الكويت ومنعوا من احياء الحفلات فيها سينعكس ذلك على كل المنطقة، خصوصا وان اغلب الفنانين الجدد، واقول اغلب وليس الجميع، لا يهتمون بالفن بقدر ما يهتمون بالايرادات التي يجنوها من كل حدب وصوب.
وقد تاثرت اعمال نوال الزغبي لفترة بسبب حفلات بغداد خصوصا وان الدعوة كانت من نجل صدام "عدي" وكانت ابرز الحفلات حينها حفلة نادي الفروسية التي استمرت الى مطلع الصباح امام 800 مدعو معظمهم مسؤولون في الدولة واجهزتها، واكدت نوال حينها ان ما اثيرعن زيارتها لبغداد أخذ شكلاً مغايراً تجاوز حجمه الحقيقيّ، وقالت انها ذهبت للغناء في العراق في حفلتين: الأولى كانت في ملعب كرة قدم حضرها جمهور كبير من الشعب العراقيّ، والثانية كانت في صالة ضخمة تحتوي على ألف شخص".وأكّدت الزغبي:" لم أقابل أيّ مسؤول عراقيّ على أيّ مستوى، ولم أغنِ لصدام أو لأبنائه ولم أقابلهم أبداً، ومكثت في العراق ليلة واحدة". علما ان الدعوة كانت من "عدي" وحفلة نادي الفروسية كانت بوجود كبار المسؤولين وأضافت:" أنا فنانة أحمل رسالة المحبة والسلام ، وانا لم اتكلم في السياسة ولم اقابل سياسيين، كما وأنّي دعيت للمشاركة في حفل غنائيّ في العراق، والدعوة لم توجّه لي من صدّام أو من أحد أبنائه، وإنّما كانت من الشعب العراقي المضطهد الذي يعيش حالة من الحرامان".وتساءلت : " اين المشكلة إذا غنيّت لشعب العراق وليس للرئيس ؟ علينا ان نفصل بين الحكّام وبين الشعوب، ولا نحمّل الشعوب اخطاء الحكام"، وهنا نجد ان كلامها مجموعة من المفارقات المغايرة للواقع .
اما الان ومع اقشاع غيوم الفترة السابقة بقي الوضع على ما هو عليه ويبتعد الفنانون عن بغداد بسبب الاوضاع الامنية من جهة،وبسبب انتشار الافكار الدينية التي تمنع حفلات كهذه، وتتجه بوصلة الحفلات اليتيمة اغلب الاحيان الى شمال العراق واربيل بشكل خاص لانحسار العمليات العسكرية والتنعم بالهدوء النسبي السائد هناك.
وتجدر الاشارة الى ان حياة الليل والحفلات الفنية المحلية عادت بشكل خجول في بعض احياء بغداد وضفاف دجلة
